مجموعة مؤلفين

29

نهج الحياة ( مجموعة بحوث ومقالات حول نهج البلاغه )

وإن شئت قلت في الجرادة ، إذ خلق لها عينين حمراوين ، وأسرج لها حدقتين قمراوين ، وجعل لها السّمع الخفيّ ، وفتح لها الفم السّويّ ، وجعل لها الحسّ القويّ ، ونابين بهما تقرض ، ومنجلين بهما تقبض . يرهبها الزّرّاع في زرعهم ، ولا يستطيعون ذبّها ، ولو أجلبوا بجمعهم ، حتّى ترد الحرث في نزواتها ، وتقضي منه شهواتها . وخلقها كلّه لا يكون إصبعا مستدقّة . « 6 » ولو اجتمع جميع حيوانها من طيرها وبهائمها ، وما كان من مراحها وسائمها ، وأصناف أسناخها وأجناسها ، ومتبلّدة أممها وأكياسها ، على إحداث بعوضة ، ما قدرت على إحداثها ، ولا عرفت كيف السّبيل إلى إيجادها ، ولتحيّرت عقولها في علم ذلك وتاهت ، وعجزت قواها وتناهت ، ورجعت خاسئة حسيرة ، عارفة بأنّها مقهورة ، مقرّة بالعجز عن إنشائها ، مذعنة بالضّعف عن إفنائها ! « 7 » . أم هذا الّذي أنشأه في ظلمات الارحام ، وشغف الاستار ، نطفة دهاقا ، وعلقة محاقا ، وجنينا وراضعا ، ووليدا ويافعا ، ثمّ منحه قلبا حافظا ، ولسانا لافظا ، وبصرا لاحظا ، ليفهم معتبرا ، ويقصّر مزدجرا ، حتّى إذا قام اعتداله ، واستوى مثاله ، نفر مستكبرا ، وخبط سادرا « 8 » . أيّها المخلوق السّويّ ، والمنشأ المرعيّ ، في ظلمات الأرحام ، ومضاعفات الأستار . بدئت « مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ » ، ووضعت « في قَرَارٍ مَكينٍ ، إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ » ، وأجل مقسوم تمور في بطن أمّك جنينا لا تحير دعاء ، ولا تسمع نداء ، ثمّ أخرجت من مقرّك إلى دار لم تشهدها ، ولم تعرف سبل منافعها . فمن هداك لاجترار

--> ( 6 ) ص 272 . ( 7 ) ص 275 . ( 8 ) ص 112 .